توتر وقلق في «روايتنا»..!!

  • الثلاثاء 2022-01-25 - الساعة 10:13
بقلم: حسن خضر

لن تكون هذه المعالجة مفهومة بصورة كافية دون الاطلاع على معالجتين سابقتين، الأولى بعنوان "روايات وهراوات"، والثانية "أسود المنارة". وكلتاهما تعالج جانباً من موضوع "الروايات" القومية لهذه الجماعة أو تلك، بما فيها "روايتنا".

يمكن لكل شخص أن يحضر ورقة بيضاء، وأن يكتب ما شاء من تعريفات لمكوّنات في "روايتنا" يعتقد أنها مركزية. ويمكن له، أيضاً، اتهام مخالفيه بمحاولة النيل من "الرواية"، والعمل على تشويهها. وأسوأ ما يمكن أن يحدث، في هذا الشأن، أن يرفع روايته عن "روايتنا"، أو ما يعتقد أنه يمثلها أفضل تمثيل، إلى مرتبة المقدّس، والمسطرة التي تُقاس عليها أشياء من نوع الوطنية، والمواطنة الصالحة، وما يدخل في حكم هذه وتلك. وهذا أقصر الطرق إلى الشمولية والفاشية بالمعنيين السياسي والفكري. ولا ينبغي صرف النظر عنه في الحقل الثقافي. 

على أي حال، لا تخضع "الروايات"، بما فيها "روايتنا"، للمزاج والاجتهاد الفرديين، وهي في كل الأحوال تعددية، في حالة سيولة وحراك دائمين، ويحدث في هذه الفترة الزمنية أو تلك بروز قراءة بعينها أكثر من غيرها عن طريق النظام المركزي للتعليم، ووسائل الإعلام، والتحيّزات الأيديولوجية والسياسية للنخبة الحاكمة. ففي زمن صدّام حسين، مثلاً، كان "شتم" الأمة العربية جريمة يُدان صاحبها بالسجن. ولا أعتقد أن أحداً في العراق يُعاقب بتهمة كهذه في الوقت الحاضر.

وبقدر ما يتعلّق الأمر "بروايتنا"، التي تبلورت ملامحها مع صعود الحركة الوطنية، في طورها الجديد، منذ أواسط الستينيات، نجد مصادرها الرئيسة في الميثاق الوطني، ووثيقة بيان الاستقلال، ووثائق وبيانات المجالس الوطنية والمركزية، وتصريحات وكتابات قادة الحركة الوطنية، إضافة إلى قراءات تاريخية وسياسية من جانب مؤسسات كمركز الأبحاث، ومؤسسة الدراسات الفلسطينية، وكذلك صحافة وإعلام الفصائل، والتمثيلات الأدبية في آداب الحركة الوطنية، وفنونها السمعية والبصرية.

تكوّنت "روايتنا" من هذا الخليط، وبرزت فيها عناصر من نوع الضحوية، والمرارة من خذلان العرب، وتواطؤ العالم مع الجلّاد، ومهانة اللجوء (دعت أبرز الأناشيد الحماسية في صوت العاصفة في العام 1969 إلى رمي "كروت التموين")، ناهيك عن تمجيد البطولة والسلاح على طريق تحرير فلسطين، كلها، بالكفاح المسلّح، وحرب التحرير الشعبية طويلة الأمد.

ثمة مداخل مختلفة لتفسير هذه الصيغة. وأهمها، بقدر ما يتعلّق الأمر بموضوعنا، أنها مُصاغة بلغة ومفردات حركتَي التحرر القومي العربية والعالمية، وروحية (Zeitgeist) ذلك الزمن. وهنا: اللغة، كما المفردات وما يسكنها، وينجم عنها، من تداعيات واستيهامات، علمانية في الجوهر، ومنفتحة وغير حصرية. وهذا مصدر أوّل ورئيس للتوتر العضوي في "الرواية"، ومدخل، دائم، لفهم محاولة النيل من الحركة الوطنية الفلسطينية، ومنظمة التحرير، من خلال الصراع على لغة الرواية ومفرداتها.

ولا قيمة، في الواقع، لكل كلام عن صراع راهن بين "فتح" و"حماس"، دون تحليله على خلفية التوتر العضوي في الرواية، والخلاف على اللغة ومفرداتها (ما بين كفاح الفلسطينيين كجزء من عملية نزع الاستعمار العالمية، وبين دفاعهم عن وقف إسلامي تعرّض لغزوة صليبية)، ولعل أسوأ ما حدث حتى الآن أن الفصائل اليسارية، المصابة بالسكتة الدماغية منذ عقود، فشلت في فهم حقيقة الصراع على اللغة والمفردات. هذا لا يعني أن "فتح" تبدو أفضل حالاً، فالبعض يعتقد أن اللعب باللغة والمفردات، وعليها، "يكسب" الناس.

وكما في صراعات كثيرة، يحدث الصراع الحقيقي تحت ستار كثيف من الدخان البلاغي والأيديولوجي، الذي يحجب ويطرد موضوع اللغة والمفردات من متن الصراع في الحقل السياسي، بصورته ومكوّناته الراهنة. لذا، في بطانة الكلام عن "المقاومة" "والاستسلام" و"السلاح"، و"المفاوضات"، محاولة لتوظيف مفردات يوفرها المشهد السياسي، بطريقة تنفي عن القائل شبهة من يقول شيئاً، ولكنه يريد ويقصد شيئاً مختلفاً.

ولكي لا يجهلن أحد على أحد، لا "فتح" علمانية، ولا منظمة التحرير كانت علمانية، بمعنى لائكية. هذا التعبير غير متداول في لغة أهل الشرق السياسية، ولكنه معروف ومتداول في شمال أفريقيا، بتأثير من اللغة والثقافة الفرنسيتين، وكلتاهما (حتى وقت قريب) لائكية بامتياز.

كل ما في الأمر أن "روايتنا"، التي تبلورت ملامحها في بيئة حركات التحرر القومي في المستعمرات السابقة، وحروب التحرير الشعبية، والصراع بين معسكرين في زمن الحرب الباردة، وجدت نفسها في معسكر المهزومين بعد نهاية تلك الحرب، وأن عليها أن تدفع ما يدفع المهزومون من أثمان في كل زمان ومكان. وكل ما في الأمر أن رواية الثورة المضادة، التي أُنفقت عليها مليارات الدولارات النفطية، واستُخدمت كحائط صد في زمن الحرب الباردة، لن تسامح أو تتسامح مع العصاة السابقين.

ولكن هذا لا يختزل الحكاية، فمنذ أوسلو، وإنشاء السلطة، نشأت توترات إضافية فاقمت من حدّة التوتر الأوّل. فعلى مدار ربع قرن من الزمان، وفي أفق مُغلق، تغيّرت بنود في وثائق أساسية ومركزية كالميثاق الوطني. ونشأ مع إنشاء السلطة (من خلال نظام التعليم المركزي) توتر بين دلالة الوطن والبلاد، وبين حدود السلطة وحدود فلسطين. وكذلك الأمر بالنسبة لأفكار من نوع التحرير، والكفاح، والحرب، والسلام.

هذه كلها توترات حقيقية ومُقلقة في صلب "روايتنا"، وقد أدخلتها، وأدخلتنا، في أزمة توقعها البعض، وحاول حلها بطريقة بهلوانية بالفصل بين "شغل" المثقف والسياسي، في فلسطين ما بعد أوسلو، بما يضمن تعايش هذا وذاك. فالأوّل يشتغل على "الثوابت"، والثاني "يتكتك". وتلك كانت خلطة عجيبة لأن أغلب القائلين بالفصل جمعوا، في التراتبية الوظيفية للسلطة، بين "المثقف" و"السياسي" في آن.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة شاشة نيوز